الشنقيطي
19
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
هذا القول بأن بني قريظة لم يخرجوا ولم يجلوا ولكن قتلوا . وقد سميت هذه السورة بسورة بني النضير ، حكاه القرطبي عن ابن عباس . قال سعيد بن جبير : قلت لابن عباس سورة الحشر قال : قل سورة النضير ، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون عليه السلام نزلوا المدينة في فتن بني إسرائيل ، انتظارا لمحمد صلى اللّه عليه وسلم « 1 » . واتفق المفسرون على أن بني النضير كانوا قد صالحوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أن لا يكونوا عليه ولا له ، فلما ظهر يوم بدر قالوا : هو النّبي الذي نعته في التوراة ، لا ترد له راية ، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا . فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة ، فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة ، فأخبر جبريل الرسول صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فأمر بقتل كعب ، فقتله محمد بن مسلمة غيلة ، وكان أخاه من الرضاعة . وكان النّبي صلى اللّه عليه وسلم قد اطلع منهم على خيانة ، حين أتاهم في دية المسلمين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري منصرفه من بئر معونة ، فهموا بطرح الحجر عليه صلى اللّه عليه وسلم ، فعصمه اللّه تعالى . ولما قتل كعب ، أمر صلى اللّه عليه وسلم بالمسيرة إليهم ، وطالبهم بالخروج من المدينة ، فاستمهلوه عشرة أيام ليتجهزوا للخروج ، ولكن أرسل إليهم عبد اللّه بن أبي سرا : لا تخرجوا من الحصن ، ووعدهم بنصرهم بألفي مقاتل من قومه ، ومساعدة بني قريظة وحلفائهم من غطفان ، أو الخروج معهم ، فدربوا أنفسهم ، وامتنعوا بالتحصينات الداخلية . فحاصرهم صلى اللّه عليه وسلم إحدى وعشرين ليلة . وقيل : أجمعوا على الغدر برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا له : اخرج في ثلاثين من أصحابك ، ويخرج إليك ثلاثون منا ليسمعوا منك ، فإن صدقوا آمنا كلنا ، ففعل . فقالوا : كيف نفهم . ونحن ستون ؟ أخرج في ثلاثة ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا ، ففعلوا فاشتملوا على الخناجر ، وأرادوا الفتك فأرسلت امرأة منهم ناصحة إلى أخيها ، وكان مسلما فأخبرته بما أرادوا ، فأسرع إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فساره بخبرهم قبل أن يصل صلى اللّه عليه وسلم إليهم ، فلما كان من الغد غدا عليهم بالكتائب فحاصرهم إحدى وعشرين ليلة ، فقذف اللّه في قلوبهم الرعب ، وأيسوا من نصر المنافقين الذي وعدهم به ابن أبي ، فطلبوا الصلح فأبى عليهم صلى اللّه عليه وسلم إلا الجلاء ، على أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات
--> ( 1 ) أخرجه القرطبي في الجامع لأحكام القرآن 18 / 2 .